الشيخ الأنصاري
79
مطارح الأنظار
وذلك نظير دلالة الإشارة كدلالة الآيتين على أن أقل الحمل ستة فإن لوازم الكلام في المخاطبات العرفية غير مقصودة للمتكلم ولكن يفترق الوجوب التبعي بأن المدلول التبعي لا يلزم أن لا يكون ذا مصلحة نفسية بخلاف الوجوب التبعي فإنه على أن الإرادة مما لا يتعلق به على وجه الاستقلال يجب أن لا يكون ذا مصلحة نفسية من حيث استفادة وجوبه من وجوب الواجب الأصلي ونظيره في المطلوبات لوازم الواجب فإن من طلب الاستقبال على وجه الاستقلال طلب وقوع الجدي خلف المنكب في العراق مثلا فإنه مطلوب تبعي لم يتعلق به في العرف والعادة طلب مستقل وإرادة على حدة ومما ذكرنا يظهر أنه لا وجه لما عسى أن يتخيل من أن وجوب إنقاذ ولد المولى وإن لم يكن معلوما للعبد على وجه الأمر اللفظي أو الإرادة النفسية من الوجوب التبعي لما عرفت من أن المصلحة الداعية إلى الطلب عند الالتفات سواء كان المظهر له لفظا أو غيره مصلحة نفسية مع اختصاص الوجوب التبعي بالوجوب الغيري فإذن ينحصر الوجوب التبعي بالوجوب المقدمي حال عدم الالتفات إلى المقدمة وأما مع الالتفات وتعلق إرادة مستقلة بالمقدمة فلا يكون طلبه إلا أصليا كما في قولك ادخل السوق واشتر اللحم فإن تعلق الإرادة المستقلة بدخول السوق إنما ينافي التبعية على ما عرفت ومن هنا ينقدح لك أن النسبة بين الوجوب الغيري والوجوب التبعي عموم مطلق فإن الوجوب الغيري أعم لتحققه فيما إذا كان مدلولا لخطاب مستقل فيما إذا كان المظهر لفظا أو مفهوما من إجماع خاص مثلا أو غير ذلك مما يعلم منه تعلق إرادة مستقلة بالواجب الغيري لا يقال إن وجوب اللوازم تبعي مع أنه ليس غيريا فيكون بينهما عموم من وجه لأنه يقال إن وجوب اللوازم وجوب عرضي من قبيل الإسناد المجازي ولا كلام فيه كما أن النسبة بين الأصلي والنفسي والغيري عموم من وجه كما يظهر بأدنى تأمل هذا ما هو الموافق لكلمات أرباب الاصطلاح في موارد استعمالات الوجوب التبعي كما أومأنا إليه في الدلالة التبعية وأما ما يظهر من بعض الأجلة من إدخال الوجوب المستفاد من المفاهيم في الوجوب التبعي وإن كان وجوبه مستقلا فهو مما لم نعرف وجها ثم إنه لو شك في أن الواجب أصلي أو تبعي فبأصالة عدم تعلق إرادة مستقلة به لا يمكن إثبات الوجوب التبعي لو أريد بذلك ترتيب الآثار المترتبة على الوجوب التبعي فيما إذا فرض له آثار سوى ما يترتب على عدم الإرادة لما قرر في محله فتدبر في المقام واللَّه هو الهادي هداية قد عرفت تحقيق الكلام في أقسام الواجب مما له مدخل في تحرير النزاع فيما هو المقصود من وجوب المقدمة وعدمه فنقول إن الواجب الذي اختلف في وجوب مقدمته أعم من أن يكون واجبا مطلقا أو واجبا مشروطا بالنسبة إلى غير المقدمة الوجوبية وقد عرفت أن تخصيص البعض ذلك بالوجوب المطلق دون الشرطي مما لا وجه له غاية الأمر أن الوجوب اللازم منه هو الوجوب الشرطي التبعي على نحو وجوب ذي المقدمة ومنه يظهر أنه لا يفرق في ذلك في أقسام الواجب من التعبدي والتوصلي والنفسي والغيري والأصلي والتبعي غاية الأمر أن وجوب المقدمة في الواجب الغيري والتبعي مما يختلف فيه اعتبار الوجوب لما عرفت من اختصاص الوجوب التبعي على تفسيرنا بالوجوب الغيري وهو مسبوق بوجوب الغير لا محالة إذ لا يعقل الوجوب الغيري بدون وجوب الغير ووجوب ذلك الغير مما يكفي في الحكم بوجوب مقدمات الواجب الغيري لأن المفروض وجوب مطلق المقدمة ولا فرق في نظر العقل في الوجوب اللازم من وجوب ذيها بين المقدمة القريبة والبعيدة نعم إذا قيس الوجوب الغيري بالنسبة إلى ما يتوقف عليه أيضا يحكم العقل بوجوب مقدماته أيضا وقد عرفت أن ذلك ليس من تكرار الطلب وهذا هو الكلام في المراد من وجوب الواجب الذي يبحث في وجوب مقدماته وأما الكلام في وجوب المقدمة من إن الوجوب المتنازع فيه هل هو وجوب نفسيّ أو غيري تعبدي أو توصّلي أصلي أو تبعي فنقول لا ينبغي النزاع في أن وجوب المقدمة ليس وجوبا نفسيّا فإن المقدمية لا تقتضي بتعلق الطلب النفسي بها ولعله مما لم يذهب إليه وهم أيضا ولا وجوبا تعبديا من حيث إنها مقدمة نعم قد يكون ذات المقدمة عبادة بمعنى أنها توصل إلى ذيها بشرط الإتيان بها على وجه التقرب كأن يكون الداعي إليه هو الأمر المقدمي كما عرفت تفصيل ذلك في بعض المباحث السابقة ولا وجوبا أصليا لأن الوجوب الأصلي مما لا بد فيه من الالتفات التفصيلي إلى ما هو المطلوب لأن المفروض بناء على ما فسرنا استقلال الطلب فيه وإن كان استفادته على وجه الاستلزام كما في المفاهيم ومن المعلوم أن الطالب لذي المقدمة قد يكون غافلا عن المقدمة وقد يكون مع الالتفات إلى ذات المقدمة شاكا في مقدميّتها لذيها وتوقفه عليها وقد يكون قاطعا بعدم التوقف مع كونه في الواقع مما يتوقف عليه فكيف يمكن بالقول بأن اللازم من وجوب شيء هو وجوب مقدماته وجوبا أصليا وكيف يجوز انتساب هذه المقالة الفاسدة إلى المشهور نعم يصح ذلك بالنسبة إلى أوامر الشارع من حيث إحاطة علمه وامتناع حصول الغفلة له تعالى فيكون الكلام في الوجوب التبعي الغيري حيث إن الكلام في مسألة أصولية يعم موردها غير أوامر الشارع أيضا وإن كان المراد ظهور الثمرة فيها كما لا يخفى وكيف كان فالظاهر أن الوجوب الأصلي ليس من محل النزاع في شيء ولو فرض وقوع النزاع فيه فالقول قول النافين إذ لا ملازمة بين وجوب شيء وبين تعلق إرادة مستقلة بما يتوقف عليه لما عرفت من إمكان الغفلة ولذلك من زعم أن النزاع في ذلك التزم بعدم الوجوب ثم إنه لا ينبغي الإشكال في وجوب المقدمة بمعنى اللابدية والتحقيق أنها ليست وجوبا يعدّ في عدد الأحكام التكليفية بل الواقع أنها أقرب إلى الأحكام الوضعية ولذلك لا يختلف ذلك باختلاف الأحكام فإنها ترجع إلى معنى المقدمية